ابن رشد
24
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
فإذا تقرر هذا سهل إثبات وجود الله في نظرهم . ونقطة الانطلاق عندهم في ذلك هي قولهم : إن العالم حادث ، والحادث لا بد له من محدث . وهذه قضية لا يبرهنون عليها وإنما يستندون في إقرارها إلى المشاهدة التي تدل على أن " الكتابة لا بد لها من كاتب ولا بد للصورة من مصور وللبناء من بان " . كما يستندون في ذلك إلى المعنى الذي يعطونه للحدوث : فالحادث عندهم هو ، بالتعريف ، ما يجوز وجوده وعدمه ، ويجوز أن يكون على غير ما هو عليه . وبما أن أشياء العالم موجودة ، وعلى وجه مخصوص ، فإنه لا بد أن تكون هناك إرادة أرادت وجودها بدل عدمها ، وأرادتها موجودة على الصورة التي هي عليها . وإذن ، فالله ، بوصفه المحدث للعالم المريد له على ما هو عليه ، موجود . تلك هي الاعتبارات الدينية الكلامية التي قادت المتكلمين إلى القول بفكرة الجوهر الفرد ، وهي اعتبارات ترجع إلى ميدان " جليل الكلام " ( - علم الله ، قدرته . . . ) . غير أن المتكلمين لم يقفوا بهذه الفكرة عند هذا المستوى ، بل راحوا ، في إطار مناقشاتهم في " دقيق الكلام " ، يناقشون مختلف جوانبها ويتتبعون كل ما يلزم عنها حتى أصبحت أساسا لنظرية في " الوجود " : في المكان والزمان والحركة والفعل . . . وبالتالي أساسا لرؤية معينة للعالم لا يتسع المجال لتفصيل القول فيها هنا ، « 15 » رؤية تبناها الأشاعرة وجعلوها أساسا للبرهنة على صحة و " معقولية " مذهبهم في الله والإنسان . 7 - المذهب الأشعري : من التأسيس إلى الترسيم لا تعرف بالضبط الأسباب التي جعلت أبا الحسن الأشعري ( 260 - 324 ه ) يغادر صفوف المعتزلة بعد أن لازمهم ونشط في حلقاتهم مدة طويلة تقدرها بعض الروايات بأربعين سنة . كان الأشعري قد اتخذ شيخا له أحد كبار المعتزلة ، أبا علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي ( 235 - 330 ه ) تلميذ أبي يعقوب الشحام من أصحاب أبي الهذيل العلاف . وتقول مختلف المصادر إن مغادرة أبي الحسن الأشعري لصفوف المعتزلة كانت بسبب شكوك وتساؤلات لم يجد لها جوابا مقنعا لدى أستاذه الجبائي ، مما دفعه إلى إعلان انسحابه من صفوف المعتزلة ، انسحابا مسرحيا ترويه كتب التراجم والطبقات بصيغ ومشاهد مختلفة مما يحمل على الشك فيها جميعا .
--> ( 15 ) أنظر : م . ع . الجابري . بنية العقل العربي . م . د . و . ع . بيروت . ص . 175 وما بعدها .